الجمعة , 24 مايو 2019
رئيس التحرير: عيسى علي بورسلي
أسسها المرحوم: بدر المساعيد
في سنة 2012
الرئيسية » كتاب الرأي العام » العصف الذهني في الإسلام

العصف الذهني في الإسلام

روى البخاري من حديث ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن من الشجر شجرةً لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، فحدثوني ما هي؟»، فوقع الناس في شجر البوادي، قال عبدالله: ووقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييت، ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: «هي النخلة».
فهذا الحديث الشريف فيه أسلوب تربويٌ عظيم في العصف الذهني لأصحابه الكرام، يدل على ما كان عليه النبي، صلى الله عليه وسلم، من القرب لأصحابه، فهو يستطلع ثقافتهم وذكاءهم، ويسألهم سؤالاً سهلاً ممتنعاً، ليزيدهم معرفة بأمور دنياهم، كما ينهلون منه معارف دينهم، سؤال بسيط في وضعه لكنه كبير في دلالته؛ ففيه الحث على الازدياد من العلم، وفيه بيان فضيلة المؤمن، وفيه مزية النخلة، وفيه الحث على التفكير الجاد، وفيه توقير الكبير، وفيه الفرح بنجابة الأبناء، وفيه فضيلة تواضع الكبير، وفيه الحرص على طلب العلم، وفيه فضيلة الاعتراف.. كل ذلك في سؤاله، صلى الله عليه وسلم، الذي علمه الله الكثير، وأمره بالاستزادة من العلم خصوصاً، دون كثير من العبادات، فضلاً عن الدنيا، وهو أمر لأمته التي هي أمة العلم والقراءة، الأمة التي ترى أن الحكمة ضالتها، والعلم مهنتها، والتطور مقصودها، كما كانت كذلك في الأمس البعيد، فسادت وشادت وأفادت، ولابد أن تكون كذلك في الغد القريب، حتى لا تخرج عن منهج دينها، وأسلوب أمتها، أو تقصر في حق جيلها الحاضر والمستقبل، لاسيما والعلم اليوم أصبح في متناول الجميع بأسلوب سهل، وتقنيات متطورة.
عليها أن تتنكر للمنكر الذي تعيشه تخلفاً وتآكلاً وبلاء وفتنة، عليها أن تعلم أن المشكلات التي تعيشها هي من صنعها، حيث لم تأخذ بناصية العلم، وتواكب الحياة التي تعيشها، فالعالم كله ينشد الغد الأفضل ويعمل له، وأمتنا تنشده أيضاً لكنها تعمل ضده، فهي تهدم الصالح وتحبط المستقبل، وتتنكر للماضي الذي كان مليئاً بالعز والفَخار، حقيقةٌ هذه يعرفها الجميع، لكن قلَّ من يسعى لتغيير هذا الواقع الأليم.
نقول هذا في مقام جلد الذات، ولوم النفس ومحاسبتها على التقصير؛ لتعيد لنفسها ما فقدته، فإنه لن يعيده لها غيرها، فذلك مستحيل، فالأمر كما قال طرفة بن العبد:
وما لام نفسي مثلها لي لائمٌ ولا سدّ فَقْرِي مثلُ ما ملكت يدي
الأمة اليوم معنية بفكر نيِّر يخرجها من ويلاتها، ويجعلها تعيش حاضرها كما عاش الأوائل حاضرهم بجدارة وتأثير، فقد كان ماضينا مشرقاً بالعلم والمعرفة المتنوعة، والإسهام في الحضارة الإنسانية لكل ما تحتاج إليه، فلابد أن يعود ذلك المجد بهمم أبنائه، والاستفادة من معطيات العصر التي يفتحها لنا رجال أفذاذ كالشيخ محمد بن راشد الذي جعل الذكاء أسلوب حياة، ومضمار الفرسان.
د. أحمد الحداد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

أوقات الصلاة الشرعية والفلكية

فرض الله تعالى الصلوات الخمس في أوقات محددة ليتعرف العباد بها عليه سبحانه وتعالى، ولم ...