الأحد , 21 يوليو 2019
رئيس التحرير: عيسى علي بورسلي
أسسها المرحوم: بدر المساعيد
في سنة 2012
الرئيسية » كتاب الرأي العام » مراهق وإرهابي

مراهق وإرهابي

الموجة الجديدة من الإرهاب هي جيش الأطفال والذئاب المنفردة للقيام بعمليات تفجير عشوائية غايتها إحداث الرعب والخوف ونسف السلم الاجتماعي. ووفقاً لجريمتَي مسجد القديح وقتل الجندي الغامدي وإحراق جثته، فإن لا شيء محظوراً، وكل فعل يحقق صخباً إعلامياً ويخيف الناس محتمل، حتى لو كان تفجير روضة أطفال. الهدف جعل الخوف مثل الهواء، هاجساً يومياً، عبر جعل الأطفال قنابل تسير على قدمين، وتتسابق لنسف كل أشكال الحياة.
حين حدثت تفجيرات 12 أيار (مايو) 2003 في الرياض، كان المراهقون الذين أعلنت عنهم «الداخلية» في سن الفطام، يحاولون تعلم النطق. لم يكونوا يعرفون الإرهاب لولا أن الحليب الفعلي الذي رضعوه حتى ألقت «الداخلية» القبض عليهم، هو الشحن الأيديولوجي والتربية الإرهابية. خلايا كثيرة نُسفت، وعمليات عدة أُجهضت، ونجح رجال الأمن في تجنيب البلاد سلسلة دموية من العمليات التفجيرية، لكن الفارق هو أن التربة مازالت خصبة، والمحاضن قائمة وتواصل استيلاد أجيال جديدة من الإرهابيين.
الإرهابي مثل المريض النفسي تظهر عليه تحولات سلوكية متعددة حالما يبدأ في سلك الطريق، تتغير عاداته، ويتبدل أصدقاؤه، حتى لغته مع أسرته تفقد نكهتها القديمة، تزداد عزلته، وتتضح غربته العائلية والاجتماعية. كلها ملامح فاضحة لو انتبه إليها الأب والأم والمعلم، بل لو كانت الأسرة تربي أولادها فعلاً وتعرف من يصاحبون وكيف يمضون وقت فراغهم، وإلى من يستمعون، وماذا يقرأون.
الإرهابي له رائحة خاصة طاغية لا يمكن الأهل أن يجهلوها، والأصدقاء إلا أن يلحظوها، والمعلم إلا أن يرصدها. له حال خاصة حتى في طريقة مصافحته، ما يرفضه وما يقبله، وما يمكن أن يطرحه من أفكار.
23 فرداً من المحيط الضيق استطاع عبدالملك البعادي تجنيدهم في أشهر، ومع ذلك لم يتنبه أحد لهذا التغير الجارف على هذه المجموعة، بعكس ما حدث في «تمير»، حين التفت الأهالي إلى ما طرأ على أبنائهم من تغييرات مخيفة، فكانوا الجرس والإنذار، ما أثمر إنقاذ العباد والبلاد من شرورهم.
الخطر ليس في الإرهاب، فهو ظاهرة تستقطب كل المجانين من أنحاء العالم من دون تمييز دين أو جنسية، حتى أصبحت الجماعات الإرهابية خليطاً من اللغات والثقافات لا يجمعها سوى شهوة الدم والقتل والتفجير. الخطر في الجيل الجديد الذي ينساق إليه، وإن كان أطفال «داعش» ضحايا، لأنهم يساقون بالقوة منذ خطواتهم الأولى، فإن إرهاب النابتين من رحم المجتمع جريمة لم تعالج سابقاً.
«الذئب المنفرد» تعبير أمني، فهو لا ينكشف غالباً إلا بعد الجريمة، لكنه أسرياً واجتماعياً ومدرسياً ومسجدياً يسير وكأن على رأسه ريشة، أو تفضحه الرائحة. القضاء على الذئاب المنفردة مهمة المجتمع، فمعظمهم أطفال يسكنون البيت نفسه، ويرتادون المدرسة ذاتها، ويتلقون الدروس عينها.
لن يعيش الإرهاب في السعودية، فالمواطَنة هي الأساس مهما كانت المحاولات، لكن فرداً واحداً يستطيع خلق مأساة ورعباً يغني عن جماعات، وإن لم يبدأ الحراكُ الاجتماعي على كل مستوياته فإن الخلايا المستقبلية ستكون مجموعات من الصغار تنثر الموت من دون وعي وإدراك، لأن مجتمعهم غض النظر عن تبدلاتهم الجذرية، إما خوفاً عليهم، أو ظناً أنها مجرد طيش شباب، وهو الأرجح.
الأسرة هي المعنية أولاً، لأنها تنقذ ابنها أولاً وتحمي مجتمعها، والمدرسة مسؤولة لأنها تحتضنهم ساعات طوالاً يومياً، والأصدقاء لا يكفي عزوفهم عن زميلهم المتحول، أما المحرضون والمتعاطون والمساندون، فلقد تكفل بأمرهم سلمان بن عبدالعزيز بحزم بدأت نتائجه المباشرة في الظهور خلال يومين فقط من أمره بمساءلتهم وملاحقتهم.
جاسر الجاسر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

سنحيا وندفن الإرهاب

المساجد بيوت الله، لا يدخلها فرد إلا على طهارة وخشوع ورجاء. في مسجد الإمام علي ...