الجمعة , 19 يوليو 2019
رئيس التحرير: عيسى علي بورسلي
أسسها المرحوم: بدر المساعيد
في سنة 2012
الرئيسية » كتاب الرأي العام » بيتنا القديم

بيتنا القديم

ما الذي يمنح القوة للأماكن في ذاكرتنا، سؤال يتحرك في داخلنا كلما شدنا الحنين إلى زيارة مكان قضينا فيه مرحلة من مراحل حياتنا، قبل فترة زرتُ البيت الذي ولدتُ وفيه وقضيت أول 10 سنوات من حياتي، دخلت في حالة نفسية غريبة، لم تكن صورة المكان تشبه صورته المخزنة في ذاكرتي، البيت الذي تحول الآن إلى سكن عمال صار ضيقاً بغرفه وجدرانه، بحثت عن رائحة أناس كانوا معي ولكنهم رحلوا إلى العالم الآخر، لم أجد تلك الرائحة، ولم أعثر على مشهد حقيقي تعكسه جدران بيتنا القديم، عن أناس كانوا يوماً هنا، ولولا أوراق ملكية البيت لأقسمت لكم بأن البيت الذي أعرفه ليس هو هذا البيت نفسه الذي أتجول في أنحائه.
ندمت فعلاً على هذه الزيارة لأطلال منزلنا القديم، فعلاقتي النفسية بالمنزل القديم لم تعد مجرد ذكريات معنوية، لقد تحولت بفعل فاعل إلى حقيقة معنوية أجدها حيثما كنت، فأنا عندما أقرأ سيرة ذاتية لشخصية أو رواية أتصور جميع مشاهدها في بيتنا القديم، البطل هناك في الصالة وزوجته تطعم أحد أطفالها بيد وبالأخرى تساعد الثاني على أداء فروضه المدرسية، كل شيء في بيتنا الأول له قيمة، والحالة نفسها تتكرر عندما أمسك القلم لأكتب في أي موضوع، يخيل لي أن بيتنا القديم بجدرانه وأسقفه وأبوابه الخشبية يطل في كل سطر من السطور، ولا أعلم هل تحول بيتنا القديم – بالنسبة لي – إلى مستودع لمواقف الحياة وأحداثها وذكرياتها، تذكرت فسلفة الألماني «إيمانويل كانت» في نقده للعقل المجرد، وطروحاته التي تشترط استحضار المكان قبل تأويل الأحداث، ولعل البيت الأول الذي عاش فيه كل واحد منا هو أحد أسباب اختلافنا في تفسير ما نقرأ، وهو المرد إلى تباين أساليبنا فيما نكتب، تختلف البيوت فتختلف المشاهد في عقولنا فتختلف على إثرها قراءتنا للأمور.
وأخيراً، سأعتذر لصديقي الساكن في منطقة الراشدية بدبي، أعتذر عن كل مرة استهزأت فيها ببيتهم القديم، وعلى إصراره بالبقاء فيه بعد أن هجر سكان الراشدية منازلهم إلى مناطق أخرى أحدث وأجمل، وعذري أنني لم أكن أدرك أن الأماكن تتخلى عن ذكرياتنا متى رحلنا عنها.
سلطان الرميثي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

الواقع: نعم لا وقت للقراءة

لماذا لا تقرأ؟ الإجابة الأكثر شيوعاً هي أن الجميع مشغول هذه الأيام، ولا يوجد وقت ...