الأحد , 19 مايو 2019
رئيس التحرير: عيسى علي بورسلي
أسسها المرحوم: بدر المساعيد
في سنة 2012
الرئيسية » كتاب الرأي العام » ودعنا عاماً واستقبلنا آخر

ودعنا عاماً واستقبلنا آخر

تلك هي الحياة استقبال ووداع لكل شيء؛ للحياة والأحياء والصحة والمرض والعسر واليسر والسعة والضيق.. حِلٌّ وارتحال، وكمال ونقصان، فلا نملك توقيف الزمان ولا تثبيت الأحوال، ولكن نملك أن نحسن التعامل معها إذا صحبنا التوفيق؛ فالعُمُر الذي يمثله الزمان المتجدد بلحظاته وساعاته وأيامه ولياليه وشهوره وسنِيِّه أُعطينا الصلاحية في استغلاله، وهو في الحقيقة المستودع الذي نخزن به مستقبلنا الحقيقي الذي لا نفاد له، وأعطينا مفاتيح هذا الاستغلال، إنه التوجيه الرباني لإعماره في الخير وإخلائه من الشر؛ لأن ذلك التوجيه صادر منه سبحانه خالق الزمان، وخالق ما بعد الزمان ليكون المستقر الأخير للعبد، ونحن نعلم أن التوجيه الرباني إنما هو لصالحنا فحسب، ولا يعود على الله نفع ولا ضر، من فعلنا وعدمه، ومع هذا التوجيه وذلك العلم فإننا لا نرانا نسعى السعي الأقوم للحياة الأقوم، وسبب ذلك هو الغفلة عن المآل، والانشغال بالمال والعيال، وشهوات الذات، واستعجال الملذات، التي غالباً ما تعقبها منغصات، وهكذا هو الإنسان الذي يرغب في حب العاجلة ويذر الآخرة.
إن عجلة الزمان المتسارعة تحتم علينا التفكير ملِيّاً في محاسبة النفس لمعرفة كيف تعمر وقتنا، فإن الكيِّس من دان نفسه – أي حاسبها – وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.
محاسبتنا للنفس تقتضي إعادة الشريط الذي مر سريعاً لنعلم المدخرات فيه، خيرها ونحافظ عليه، وشرها ونسعى جاهدين لغسله بماء التوبة والاستغفار والندم، حتى يعود ذلك المدخر صالحاً نافعاً، وهذا فضل الله تعالى علينا، حيث لم يجعل انطواء العام يعني ختمه بما فيه، بل أبقى مفاتيحه بأيدي عباده ليغيروا ما فيه إن لم يكن يسرهم عند لقاء ربهم، لأنه في الحقيقة سجل محفوظ سيفتح في ذلك اللقاء {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ}.
وتبقى ذكرى تجدد العام الهجري عطرة لذلك الحدث العظيم الذي غير وضع كثير من البشرية من حال سيئ كانت عليه إلى حال رَقت فيه النفس من حضيض العبودية للهوى والجماد إلى العبودية لله رب العالمين الذي خلق فسوى وقدر فهدى، إنها الهجرة التي أحدثها حبيب رب العالمين صلى الله وسلم عليه، بأسباب مادية، ولم يشأ أن تكون بما يخرق العادة كمعجزة تظل أعناق الأعداء لها خاضعين، ليعلِّم أمته الأخذ بأسباب الحياة بما تحتاجه من وسائل ذاتية، تجعل الإنسان يملك نواصي العز والدفاع عن النفس، والحفاظ على القيم، لتكون دروس الهجرة نوراً مبيناً لحياتنا العملية في ديننا ودنيانا، فهل نحن لها فقِهون؟
د. أحمد الحداد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

أوقات الصلاة الشرعية والفلكية

فرض الله تعالى الصلوات الخمس في أوقات محددة ليتعرف العباد بها عليه سبحانه وتعالى، ولم ...