الجمعة , 21 فبراير 2020
رئيس التحرير: عيسى علي بورسلي
أسسها المرحوم: بدر المساعيد
في سنة 2012
الرئيسية » كتاب الرأي العام » ما لا نقبله اليوم .. سنتقبله غدا

ما لا نقبله اليوم .. سنتقبله غدا

في عام 1432 اخترع الألماني «يوحنا غوتنبيرغ» أول مطبعة آلية لتبدأ ثورة علمية وصناعية في أوروبا، فانتشرت كتب العلوم والمعارف والآداب بين العامة، وبعد أكثر من مائتي سنة من هذا الاختراع العظيم دخلت المطبعة سرا إلى الأراضي الإسلامية، وبالتحديد في لبنان بدير «قزحيا» والأستانه ولكن السلطان العثمانيوبضغط من المؤسسة الدينية أصدر فرمانا يحرم فيه المطبعة، ويعتبرها رجس من عمل الشيطان، وفي عام 1727 صدر فرمان سلطاني آخربعد استفتاء شيخ الإسلام بإنشاء أول دار للطباعة، ومشترطا عدم طباعة القرآن الكريم والكتب الدينية، وبعد سنوات من الشد والجذب بين القوى الحداثية والقوى الدينية المتشددة اضطرت هذه الأخيرة الى تمرير فتوى تصحيحية لأخطائها السابقة بفرمان سلطاني يقول أن المطبعة فضل من الله، ولها حسنات في طباعة القرآن، وكتب الدين.
تخلف العرب والمسلمون ثلاثمائة سنة عن مواكبة النهضة العلمية والصناعية والثقافية التي اجتاحت أوربا، بسبب السلطة الدينية التي ترغب دائماباحتكارالمعرفة،وتسعى الى السيطرةعلى العقل، لتخوفها من فقدان مركزها المحوريفيادارةالحكم، والهيمنة على القرار سياسيا وشعبيا.
لم تكن المطبعة آخر نكباتنا وتأخرنا فعندما انطلقت الثورة الاتصالية الرابعة، وبرز الإنترنت كعامل اتصال حديث، وبدأ انتشار الأطباق اللاقطة فوق أسطح المنازل، لجأ رجال الدين إلى هوايتهم المعتادة فأصدروا سيلا منهمرا من الفتاوى التي تحرم «الدش» بيعا وشراء واستعمالا، بدعوى الحفاظ على أخلاق المجتمع من الفساد والفتن والعقائد الباطلة، معتمدين على قاعدة فقهية لطالما تم اقحامها في رفض كل ما يتعلق بالعلم والمعرفة والثقافة عندما لا يجدون بها مثالب واضحة، وهي قاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، ولكن يشاء القدر بعد سنوات قليلة أن نشاهد غزو المشايخ للفضائيات يبثون فيها أفكارهم وآراءهم، بل أصبح بعضهم من ملاكها ومستثمريها.
كذلك رضخت بعض السلطات في الدول العربية لفتاوى التحريم التي طالت العديد من الأفكار ووسائل الاتصال والتكنولوجيا، لدرجة أن في السنوات الماضية كان المواطن يصاب بالذعر عندما تطأ قدماه أرض المطار فيحاول اخفاء هاتفه النقال المدعم بكاميرا، أو الذي يحتوي على ميزات اتصالية عن أعين المراقبين قبل أن يسمح باقتناء هذه النوعية من الأجهزة.
أحد أهم الأفكار التي شنت عليها الحملات التحريمية هي العلمانية، فالفكر العلماني رفض بالأمس من الكثير من الشعوب العربية بسبب آراء بعض رجال الدين وفتواهم، بل انهم يرفضون حتى مجرد مناقشتها، ولكن اليوم ظهرت بوادر تنبأ بتحول فكري كبير، يعتمد على الحوار ومناقشة الأفكار، وتصادم النظريات العلمية لإثبات مدى جدارتها، ويسمح بعرض الإرث الديني والتاريخي للتحقيق، فشهدت السنوات الأخيرة رسائل علمية وبحوث ومحاضرات نشرها عدد من رجال الدين،وتفاعلوا فيها مع الليبرالية والعلمانية والمدنية، وقال بعضهم بأن تخلف الأمة لا حل له إلا بتبني هذه الأفكار، وفي مقدمتهم العلامة المحقق الدكتور عدنان ابراهيم الذي ناقش الفكر العلماني بتجرد رائع، وأكد على ضرورة فصل الدين عن الدولة، وكذلك المفكر أحمد الكاتب صاحب النظريات التحقيقية في التراث الديني الذي أيد قيام دولة مدنية وديموقراطية كبديل عن أنظمة الدماء والإقصاء، وتبنى الأزهر فكرة مراجعة الخطاب الديني، والإنفتاح على الأفكار السياسية المتجددة، وغيرهم العشرات من العلماء.
إن هذه التطورات ورغم تأخرها إلا انها ستشكل بوابة لأول الطريق باتجاه اللحاق بباقي الأمم، فنحن أمة تقبل غدا ما ترفضه اليوم!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

كيري – لافروف.. «سايكس – بيكو»

قبل مئة عام اجتمع وزيرا خارجيتا بريطانيا وفرنسا سريا، ورسما خريطة جديدة للوطن العربي الآسيوي ...