الثلاثاء , 22 أغسطس 2017
رئيس التحرير: عيسى علي بورسلي
أسسها المرحوم: بدر المساعيد
في سنة 2012

مهنتي كأب..

أحمد حسن الزعبي

أتمنى لو أن الأهالي، كما يحتفظون ببطاقة المطاعيم التي أخذها ابنهم في مراحله العمرية الأولى، أن يحتفظوا له بأقراص مدمجة عن سلوكه وشخصيته وسجل علاماته و«تتنيحاته» أثناء تدريسه على الامتحان النهائي، وصور للخديّن المتباينين أثناء المراجعة النهائية: خد أحمر وخدّ أصفر؛ وهذا دليل على سوء التوزيع الحراري في الجسم بسبب الخوف والتوتر والقلق.. يا ليت يتم الاحتفاظ بكل هذه الأقراص خلال مراحله العمرية المختلفة، ليتم تسليمه إياها بعد أن يكوّن أسرة وفور قدوم مولوده الأول، ليعرف النهج الذي تربى عليه، وكيف كان؛ وربما ليخفف من حدّة النقد الذي سيكيله لأولاده بهدف تقويم سلوكهم.
«اقعد كويس.. ارفع بنطلونك.. قص أظافرك.. شيل إصبعك من ثمّك.. علّي صوتك.. وم تفوت عالمكان سلّم.. قل السلام عليكم.. يوم واحد يسألك ارفع صوتك وانت تجاوب»، هذه بعض الملاحظات التي اكتشفت أنني أكررها لأبنائي بشكل يومي وبصوت حازم، قبل يومين وأنا أعاتبهم في محاضرة جماعية: «لما واحد يقلك كيف حالك؟ قلّه: الحمد لله.. كيفك انت؟ ردّ عليه بصوت عالٍ وكلام مفهوم.. خلك رجل»، وخزتني الذاكرة لمحاضرة قيلت لي من والدي قبل 30 سنة، عندما كان صوتي منخفضاً وخجولاً في الرد، مثل أولادي اليوم تماماً، وكنت أنزعج من هذه التعليمات وأتمتم في سرّي: «حرّ أنا ما بدي ارفع صوتي!».. فعرفت أن هذه التمتمة السرية مازال يتردد صداها في صدور أولادي الذين يتلقون الانتقاد الآن مرغمين وبضيق شديد، لكنهم غير راغبين في التأفف أو التوضيح، فكانوا يردّون بكلمة واحدة «ماشي.. ماشي»، المشكلة أنه عندما فتحت ذاكرتي على سجل شخصيتي القديمة تساقطت عليّ كل المواقف المنسية مثل أوانٍ مرتفعة وفارغة مرتبة فوق بعضها، ما إن تناولت أول مشهد حتى انهارت كل المشاهد من «اقعد كويس.. غير سروالك.. سكر رجليك.. ارفع بنطلونك.. أقف وسلّم.. ارفع صوتك.. ليش ما سلّمت ع الضيوف!» هي المواقف والعبارات نفسها وطريقة التقريع نفسها التي أقوم بها الآن تجاه الأشبال، وكأنها واحدة من أساسيات «مهنتي كأب». على أي حال وصلت إلى قناعة أنه لا يوجد أب يحصل على رضاه التام عن مستوى أولاده الاجتماعي؛ فهو دائماً يتمنّاهم أفضل مما يراهم عليه؛ يريدهم رجالاً من غير شوارب، مع أنه لو رجع للماضي سيكتشف أنها المطبّات نفسها التي كان قد وقع بها في الطريق نفسه الذي لا يتغير.. الحياة على تعقيدها تشبه المسألة الحسابية، فما تستسهله الآن من جدول الضرب بحكم العمر.. ابنك يراه صعباً بحكم العمر أيضاً.. حاول أن تعدّل الشخصية لكن لا تمحها!
أحمد حسن الزعبي

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

بوابات..

لو كان لديّ الوقت الكافي لقمت بتأليف كتاب «النصائح الفورية في الحياة الزوجية»، أضع فيه ...