الثلاثاء , 22 أغسطس 2017
رئيس التحرير: عيسى علي بورسلي
أسسها المرحوم: بدر المساعيد
في سنة 2012

صحن متبّل

أحمد حسن الزعبي

في زمنٍ ما كان بعض المثقفين الثقال والمتقعّرين في الأدب إذا ما أرادوا أن يستخفّوا بمن يخالفهم الرأي أو من يدخل معهم في نقاش لا يعجبهم يتّهموه بأن «ثقافته مجلّاتية»، أي أن هذا الخصم الثقافي أقصى ما يستطيع الحصول عليه من ثقافة أو علم أو معرفة هو تصفّح المجلات الفنية فقط، بينما هم فلا يقبلون أقل من المراجع النادرة والمجلّدات ذات الأجزاء المتسلسلة والكتب الثقيلة ذات الخط الصغير بحجم رجل النملة.

تغيّر الزمان برمّته، وانقرض أصحاب القبعات المدببة، كما انقرض معهم أصحاب الثقافة المجلاتية، ولم يعد للطرفين وجود في زمن النت واختلاط الحوابل بالنوابل في غياب المراجع والصدقية والرقابة على النشر في ظل ثورة التواصل الاجتماعي، حيث لا مرجع للمنشور إلا العقل فإن تقبله يبقى في دائرة المعقول، وغير ذلك فهو مرفوض وملفّق.

**
صار المريض يكتب أعراضه على «غوغل»، ثم يشخّص حالته، ويبحث عن العلاج دون الرجوع إلى الطبيب.. حتى المعلومات الطبية والوصفات النفسية صارت متاحة لأصحاب الثقافة الإنترنتية، فلكل سؤال جواب، ولكل معضلة حل يناسبها.

قبل أيام طلبت مني زوجتي 250 غرام فلفل مطحون.. فذكّرتها أني أحضرت الكمية نفسها منذ يومين تقريباً، فقالت تلك استخدمتها «للنمل»، أريد شيئاً للطعام.. نمل ماذا؟ سألتها.. قالت إنها قرأت في النت: إذا أرادت أن تتخلص من النمل الأحمر في البيت عليها أن ترشّ الفلفل المطحون في زوايا الدار وممرات النمل الآمنة، قلت لها: هل وضعت ِحجراً صغيراً في كل زاوية؟ تفاجأت وسألتني: ولم الحجر؟ قلت لها: لأنني قرأت في النت أيضاَ.. إنك إذا أردت أن تتخلص من النمل الأحمر ضع فلفلاً مطحوناً وحجراً صغيراً، فعندما تستنشق النملة رائحة الفلفل، سوف تعطس فيرتد رأسها إلى الخلف فيرتطم في الحجر مباشرة وتموت!!.. ما حدا أحسن من حدا!

عندما رويت قصّة «كمين النملة» لصديقي قال لي: أنت أفضل حالاً مني، فقد بقيت طوال النهار أشتم رائحة «متبّل» في الغرفة، كلما مرت زوجتي أمامي تحضر الرائحة بقوة، وكلما غادرت تخف قليلاً، وقد سألتها غير مرّة «انت مسويّة متبّل» شي؟.. فكانت تنفي ذلك.. لا بل تنفي إحساسها برائحة «المتبّل» من الأساس. أخيراً أمسك بيدها وطلب منها أن تقول ما سرّ توافر هذه الرائحة، فصارحته أنها قرأت على النت ما مفاده: إذا أردت شعراً غزيراً وناعماً عليك أن تدلكه «بلبن الروب والثوم والزيت وقشر الباذنجان»، ففعلت ذلك، لكنها لم تلاحظ أي تغيير أو غزارة.

طيّب، كيف ستتخلصين وتخلصيني من هذه الرائحة الفاقعة؟ قالت قرأت في النت أيضاً إذا أردت أن تتخلص من رائحة الثوم والزيت في الشعر أدلكه بـ«الكاكاو»!! فقال بعد ذلك بقيت أسبوعاً كاملاً أشتم في ذهابها «متبّل» وفي إيابها «كاكاو».
أحمد حسن الزعبي

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

بوابات..

لو كان لديّ الوقت الكافي لقمت بتأليف كتاب «النصائح الفورية في الحياة الزوجية»، أضع فيه ...