الأربعاء , 26 سبتمبر 2018
رئيس التحرير: عيسى علي بورسلي
أسسها المرحوم: بدر المساعيد
في سنة 2012
الرئيسية » كتاب الرأي العام » عودة لمزمار.. اليونيسكو

عودة لمزمار.. اليونيسكو

إبراهيم السليمان

عندما تناولت موضوع المزمار«الأفريقي» وتسجيله كتراث «عربي»أصيل لمنطقة الحجاز لم يكن يعنيني في المقام الأول اللون الفني بحد ذاته أو قبول الناس له من عدمه او حرمته من حلاله فهذه تعود للذائقة الشخصية وللقناعة الدينية ولحرية ممارسة هذا اللون من الفنون، لكن لأعبر عن رأي شريحة كبيرة من المواطنين ترى في إعتراضها أنه أكبر من تلك السجالات الجانبية والسطحية والتي يحاول بعضهم فرضها.
فما حدث نسف وطمس لتاريخهم وفلكورهم الذي امتدت جذوره لآلاف السنين فجاءهم من اقتلعها بكل سهولة مجرداً المنطقة من كل فنونها وفلكورها وثقافتها المتجذرة لقرون، ليغرس بديلاً عنها أمام العالم نبته مستوردة دخيلة تمثل منطقة وقارة أخرى، وكأن الحجاز يفتقر لثقافته وليس أكثر من منطقة خاوية من الحضارة والفنون الأصلية ليسد فراغها بثقافة مستوردة لاتمت للمنطقة بأي صلة.
كما إني أعجب من «فزعة» بعض المثقفين ممن هبوا بشكل جماعي لإنقاذ هفوة زميلهم التاريخية، وتمييع وتهوين الخطأ المجحف بحق جزء من مكون هذا الوطن ، فالقضية أكبر من مجاملاتهم الثقافية وتسطيحهم لها ووصف كل مهتم بتوضيح الحقيقة وتصحيح الخطأ التاريخي بالعنصرية لإغلاق باب نقاش ومعاتبة وتحميل زميلهم المثقف مسؤولية ماحدث أمام المجتمع وترهيب كل من يتفاعل بهذه التهمة المعلبة والمستهلكة من قبلهم ، فالقارئ الجيد لتاريخ المنطقة يعي تماماً بأن سكانها الأصليين كانوا ولازالوا يضرب بهم مثل التعايش وتقبل المختلف واستضافته واحتوائه ومجاورته وإكرامه وإلا لما إستطاع أي مهاجر من أن يقيم ويعيش ويندمج في هذا المكون الإجتماعي الأصيل لعشرات السنين مقيماً بينهم بأمن وأمان وتحت حمايتهم لسنوات عديدة ، لذلك على من يتهمهم بالعنصرية إستشعار القليل من الخجل وأن يتفهم أسباب إمتعاضهم من التهميش والتلاعب بتاريخهم وطمس هويتهم.
إن القلق من قضية التوثيق في اليونيسكو لايقف عند سطحية تفكير بعضهم لأن لها أبعاد ومخاطر أبعد وأكبر بكثير من هوى راقص في فرقة شعبية أو غاوي «غشنة» مزمار أو رغبة شريحة نكن لها كل الإحترام والتقدير حيث تعايشنا معها واعتبرناها من نسيجنا الإجتماعي وشاركتنا الإنتماء لهذا الوطن المعطاء تحت مظلة قيادتنا الرشيدة ، ولايجب أيضاً أن نغفل عن آلية إتخاذ قرارات الأمم المتحدة السياسية والإجتماعية والإقتصادية وغيرها من القرارات المصيرية والتي تتم بناءاً على العودة لمراجعها ووثائقها المسجلة لديها بصفة رسمية ، ناهيكم عن أنهم بهذا التوثيق سلبوا السكان الأصليين حقهم الأصيل وحرموهم من تسجيل تراثهم وفلكورهم وهويتهم في ملفات اليونيسكو ومن التعريف بثقافتهم وفلكورهم عند أي باحث سيستند على مصادر الأمم المتحدة.
وإستباقاً لردود المتصيدين في الماء العكر وممن يأولون الكلام أقولها صادقاً بأنني ممن يحترم ويقدر التنوع والتعدد فهو إثراء ثقافي ومعرفي شريطة أن لا تنسب الأمور لغير أهلها ولاتسمى الأشياء بغير مسمياتها ، فالجالية الهندية على سبيل المثال استقرت وسكنت في بريطانيا منذ عهد الإمبراطورية التي لاتغيب عنها الشمس ومارست فنونها وألوانها وفلكورها الهندي الجميل وتعايشت مع الشعب البريطاني الذي بدوره شاركهم ممارستها والإستمتاع بها والرقص على أنغامها ورغم كل ذلك لم تجرؤ تلك الجالية أو أي مسؤول بريطاني من السعي لتسجيلها وتوثيقها رسمياً في المحافل الدولية كفلكور يمثل بريطانيا وفي جانب آخر من العالم أستشهد بأستراليا والتي رغم تنوع وتعدد الهجرات إليها إلا أنهم جميعاً إندمجوا في ثقافتها وفلكورها واعتمدوا رقصة «الهاكا» كهوية تمثل تلك القارة ولم يجعلوا من البريك دانس أو الفلكور الآسيوي ممثلاً لها.
إبراهيم السليمان
كاتب سعودي

تعليق واحد

  1. مقال منصف وجميل وعين الصواب
    ولايسعنا إلا أن نشكرك كل الشكر على توضيح الحقائق وعدم الانصياع وراء المغالطات ، واتمنى من وزارة الثقافه والإعلام أن تنظر لماذكر بعين الانصاف وأن تبحث عن تراث الحجاز الحقيقي حيث أن المسئولية ملقاةٌ على عاتقها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

عمار ياخليجنا الواحد!

لازلت أتذكر تلك المشاعر الأولى لتأسيس وانطلاق مجلس التعاون الخليجي، وكيف قفزت حينها أحلامنا الطفولية ...