الأحد , 23 سبتمبر 2018
رئيس التحرير: عيسى علي بورسلي
أسسها المرحوم: بدر المساعيد
في سنة 2012
الرئيسية » كتاب الرأي العام » الطير المسافر

الطير المسافر

أحمد حسن الزعبي

إلى هذه اللحظة وبعد مرور أكثر من 40 أو 50 عاماً، كلما التقطت ذبذبات المذياع أغنية لعبدالحليم حافظ أو لنجاة الصغيرة، أو لأحد العمالقة القدامى، تخجل أصابعنا أن تغير الموجة، أو تخفض صوت المذياع، بالعكس نبقى منشدّين بكل ما أوتينا من عاطفة لكل جملة موسيقية أو مقطع غنائي.
بالمقابل، لم تعد تقبل مسامعنا أغنية حديثة مرّ على إنتاجها أشهر قليلة، لأنها أصبحت قديمة ومملة، لماذا يا ترى؟ أعتقد أن ما كتب بإحساس ومعاناة، ولُحّن بإحساس ومعاناة، وغنّي بإحساس ومعاناة، لا يمكن له إلا أن يُدمغ بختم الخلود والصدق مدى الحياة.
كان كاتب الأغاني عاشقاً حقيقياً يكتب ما يحسّه تجاه من يحب، ويعاني الهجر والشوق، والملحّن ليس بأحسن حال من شريكه في العمل، اسمعوا إلى الصوت الجوّاني في أغاني العندليب، اسمعوا شجنه في أغنية «نبتدي منين الحكاية».. لو حكينا يا حبيبي نبتدي منين الحكاية، إحنا قصة حبنا ليها أكثر من بداية. أنا أجزم أن العمالقة لم يكونوا يغنّّون أبداً، وإنما كانوا «يئنّون» بكامل أحزانهم.. باختصار لأنهم كانوا يمثلون جيلاً مخلصاً بعلاقاته، جيلاً يحيك الحبّ كما تحيك الأم بلوزة الصوف، نفذة نفذة.. وغرزة غرزة.. لا يستعجلون إبرة الصبر، وخيط الأيام، لتنضج العاطفة.. كانوا يتركونها تتشكل بكامل جمالها وحكمتها.
اسمعوا أغنية «الطير المسافر» لنجاة الصغيرة.. رغم أن زمان «الفيس بوك»، و«الواتس أب»، و«السكايب»، جعل المغترب يعيش بين أهله لحظة بلحظة، ويسجل مكان وجوده وتحركاته بالصوت والصورة، وحتى عبارة «تصبحون على خير» يطلقها «لايف» قبيل النوم، وإذا مر نصف ساعة دون ظهور، تنهال الرسائل تسأل عن غيابه الطويل وانقطاعه عن الظهور.. إلا أننا كلما سمعنا نجاة تسأل عن «حبايبنا» في الغربة مرتاحين ولا تعبانين.. فرحانين ولا زعلانين.. مشتاقين ليكم مشتاقين.. إلا غالبتنا الدمعة فتنزل عنوة عن كل وسائل الحضور.
كلمات الأغنية كتبت في عصر الرسائل الورقية، التي تقطع شهراً على أقل تقدير في رحلة الوصول من يد المرسل إلى يد المستقبِل، وفي هذا الشهر أو الشهرين أحداث تتغير، وحكايا تعتق، وفصول تنقلب، وأسئلة تبات على عتبات الأجوبة، ومع كل هذا تبقى العاطفة الموسمية طازجة لتولد من رائحة الحبر والورق المعطّر مثل قلب الوردة.
الآن العاطفة مثل منتجات «البيوت البلاستيكية» متوافرة على مدار الساعة، لكن لا طعم لها.
أحمد حسن الزعبي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

صحن متبّل

في زمنٍ ما كان بعض المثقفين الثقال والمتقعّرين في الأدب إذا ما أرادوا أن يستخفّوا ...