الخميس , 13 أغسطس 2020
رئيس التحرير: عيسى علي بورسلي
أسسها المرحوم: بدر المساعيد
في سنة 2012

اخسر وخسره..

عبدالله الشويخ

انطلقت الانتفاضة الفلسطينية الأولى في أواسط الثمانينات الميلادية، كانت حدثاً مهماً جداً في تلك الأيام، ولاشك في أنها كانت بداية التغيير لأشياء كثيرة في الداخل الفلسطيني، تداخلت الأوراق وتشابكت الرؤى لدى العدو الصهيوني في بداية انطلاق الانتفاضة، ولكنه كما عودنا وضع مجموعة من الخطط لمواجهتها بهدوء، كانت البداية هي خطة مواجهتها بالقوة والرعب، وحدث أمام كاميرات التلفزيون أو ما يفترض أنها كاميرا وجدت بالمصادفة في ذلك المكان، أن أحضر جنود الاحتلال شابين فلسطينيين «لا شك في أنهما كهلان كبيران اليوم لم نسمع عنهما منذ ذلك الحين»، وأركعوهما ثم قاموا بكسر أيديهما بواسطة حجارة كبيرة حملها الجنود.

لا أريد أن أحدثك عما حصل في مجتمعاتنا في ذلك اليوم، حرفياً لم ننم لمدة ثلاثة أيام، كانت الدنيا كلها تغلي، المدارس علقت دراستها، وكانت الحادثة وتبعاتها هي كل ما يطرحه المدرسون، وسائل الإعلام تفرغت للحادثة بالكامل، وجوه الناس لم تعد تبتسم، في كل مقهى رجل يحمل مذياعاً صغيراً ويعطي آخر التطورات للمستمعين، من يذكر تلك الأيام سيذكر هذه التفاصيل جيداً، لا أعرف ما الذي حدث بعدها في الداخل الإسرائيلي؛ ولكن حتماً أن العدو خشي انقلاب الطاولة عليه فبدأ بالخطة «ب» التي تجعل الشاب الفلسطيني الأول هو من يحمل حجراً لكسر يد الآخر، ويبدو أنها تسير بشكل جيد إلى اليوم.
ما ذكرني بقصة المقاومين اللذين ضجت الدنيا والوطن العربي بأسره لكسر أيديهما بحجر هو ذلك التبلد الذي أصابنا اليوم، ونحن نرى أحجاراً وبنايات سكنية كاملة تسقط على رؤوس أطفال رضع مغمضي الأعين في بلد لم نخسره بالكامل بعد، ولا تثير الحوادث اليومية فينا معشار معشار ما أثارته فينا حادثة أقل وحشية منها بكثير قبل 30 عاماً، 30 عاماً قامت بتبليد مشاعرنا تماماً وقتلت كل شعور بالمسؤولية في قلوبنا، ولا أعلم السبب هل هو كثرة الأحداث؟ أم هو تغيرنا من الداخل فعلاً؟ أم هي نظريات: «ما دامني بخير أنا وناقتي.. ما علي من رباعتي!».
بشكل يومي يتكرر السيناريو نفسه، يلعب شريكي القص، قبل أن تنزل بنت البستوني، أحاول تفسير الحركة الغريبة، يشوش التلفاز أعلى المقهى على نسبة التركيز لدي، مقتل 16 طفلاً في حلب في قصف بالبراميل! أحاول التركيز هل البنت لديه؟! لماذا لم يدبلها إذن؟ يستمر تشويش التلفاز على تركيزي.. الميليشيات الطائفية تقتل 20 مواطناً في الموصل بعد تعذيبهم، أستمر في محاولة التركيز لماذا لم يتسلم اللعب في اللفة السابقة إذا كان القص لديه؟ في بورما تم إعدام 23 أسرة مع أطفالها شنقاً لأنهم لم يغادروا قراهم، هل يا ترى يده ممسترة وهو يحاول التلاعب فقط؟ ذبح 14 مسلماً في إفريقيا الوسطى لارتدائهم اللون الأبيض؟! أقرر أخيراً.. شريك (…) اخسر وخسره، ألقي له فوق القص ببنت السنك، ويلقي بدوره ببقية الكروت في وجهي ويغادر.
يغادر صديقي وأنا مازلت أتساءل وصوت التلفاز يعمل: ما الذي تغير فينا؟!
عبدالله الشويخ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

«ستخرج معي!»

لم تكن هناك عبارة يمكن سماعها أجمل من هذه العبارة! الأمر يعني «حزمة حوافز» مختلفة، ...